القاضي عبد الجبار الهمذاني
137
المغني في أبواب التوحيد والعدل
كقبح الظلم . فسواء دلنا على أنه يدل من حال فاعله على أنه قد أراد من المكلف الفساد أو لم يدل على ذلك ، فالذي قدّمناه صحيح ؛ وذلك لأن كونه استفسادا يرجع إلى أنه واقع من المكلف الملزم بالتكليف تمكينه واستصلاحه . فمتى فعل ما هذا حاله كان باعثا له على الفساد ومقوّيا لدواعيه . وحال هذا الفعل بكونه بهذه الصفة لا يتغير بأن يريد فاعله الفساد أو لا يريده ، كما إن دعاه إلى الفساد بالأمر والترغيب على هذا المحل وإن لم يرد منه الفساد ؛ لأن ظاهر ذلك يقتضي البعث « 1 » وتقوية الدواعي ، وأنه فعل ما يكون إلى فعل معصية أقرب . وذلك لا يجوز منه سبحانه أن يفعل ما ظاهره الترغيب . وإن لم يقصد به الترغيب لما كان حاله ما وصفناه ، ويوضح ذلك ما قدّمناه من أنه لو فعل تعالى ما هذا حاله لحل محل أن يفعل المكلف ما تقوى به دواعيه في الفساد الّذي منع بالتكليف منه . فكما يلزمه بذل جهده في أن لا يقوى دواعيه ولا يفعل ما يكون عنده إلى الفساد أقرب ، فكذلك يقبح منه أن يفعل ما يكون معه إلى الفساد أقرب . يبين ذلك أنه لما وجب عليه تعالى بالتكليف أن يمكنه ، وجب عليه إذا قدر على تمكين نفسه ببعض الآلات أن يحصلها ويتوصل / ( إلى فعل ما كلف بها . وعلى ذلك الوجه قال شيوخنا رحمهم اللّه تعالى ) « 2 » يجب أن يكون النظر للمكلّف فيما كلفه إياه من نفس المكلّف ، وفصلوا بين ما يرجع إلى التكليف في هذا الباب وبين غيره . فإذا صح أنه متى عرف أحوال نفسه فيما كلف وأحوال دواعيه إلى اختيار الفساد ، أو يكون كالبعث له عليه والاستدراج إليه - وكذلك القول في تكليفه ، لأنه تعالى عالم بأحواله ، وما يختار عنده الفساد والصلاح - فالتزامه بالتكليف الّذي عرضه به للثواب استصلاحه يقتضي أن يقبح منه أن يفعل ما يختار عنده الكفر والفساد ، ويصير
--> ( 1 ) أي البعث على العمل . ( 2 ) غير واضح في الأصل .